أخبار

02:23pm الثلاثاء 19 ك 2 2021

كان يا مكان
بيروت تفتقد قبضاياتها
الأحد 3 كانون الأول 2017 - 5:51

لبيروت العاصمة ذكريات وذكريات لعل أبرزها قبضايات المناطق ورجالها الذين لعيوا دوراً إجتماعياً وسياسياً كبيراً في القرن التاسع عشر ميلادي فكانوا جبهة الدفاع الأولى في وجه العدو ومفاتيح الإنتخابات النيابية والبلدية.

كان لكل حي أو منطقة زعيمها، الناطق باسمها والمدافع عن مصالح سكانها، وزعماء الأحياء متفقون فيما بينهم على أصول التعامل وعلى وجوب التقيّد بالأعراف والتقاليد الاجتماعية، لا فرق في ذلك بين قبضاي البسطة وقبضاي الأشرفية، أو بين قبضاي مسلم وقبضاي مسيحي، فالمروءة والشهامة وإغاثة الملهوف والدفاع عن العرض والمال ومبادئ الشرف وحسن المعاملة وعدم الاعتداء، كلها أمور يشترك فيها الجميع دون تمييز في الدين أو المذهب أو المحلة.

القبضايات متمسكون بالرجولة، متشبثون بالحفاظ على الكرامة، محافظون على الوقار والهيبة والرزانة، في مشيتهم وجلوسهم وقعودهم وكلامهم، يفخّمون بعض الألفاظ، ويمطّون بعض الكلمات، ويتبادلون فيما بينهم في مسامراتهم عبارات معينة يحرصون عليها، فإذا مشوا، فعلى رؤوس أصابعهم، وإذا جلسوا وضعوا رجلاً على رجل بوضع معيّن، وإذا لبسوا حرصوا على الشال الكشمير والصدرية التي يتركون زراً منها أو زرين مفتوحين دليل الفتوة.

القبضاي فوق كل ذلك، كبير القوم، سيدهم وخادمهم، إذا ألّمّت بأحدهم مصيبة، هرع إليه فوجد عنده حلاً لها، أو ساعده على تأمين حل لها، وإذا فقدت عائلة معيلها، كان المعين المجهول والأب الرحوم، ويقال إن لقب (بيهم) الذي عرف به فرع من عائلة العيتاني، يعود أن عائلة فقيرة مؤلفة من الزوجة وخمس بنات، فقدت معيلها، فتكفل إبن العيتاني بقضاء حوائجهم والإنفاق عليهم حتى قالوا عنه بأنه (أباهم ، بيهم).

مواقف مشهودة :

في التاريخ المعاصر، بعد سقوط الجبهة العسكرية النظامية في ليبيا أمام الغزو الإيطالي ومنع الإنكليز مرور النجدات إلى المجاهدين، كان لبحارة بيروت وقوادهم السبق في إرسال المؤن والنجدة والذخائر والأعتدة، وكان الأمير شكيب أرسلان على متن إحدى المراكب، يرافقه اليوزباش ، يومها، مصطفى كمال.

وعندما قصف الأسطول الإيطالي بيروت سنة 1912م، هبَّ رجالها وقبضاياتها وتوجهوا إلى الشواطئ، مسلحين بالسيوف والخناجر والهروات، ونزلوا البحر سباحة باتجاه البوارج وإستشهد منهم عدد كبير.

يُذكر أن أحمد آغا الشرقاوي شيخ المرفأ ورفاقه من البحارة، تزعموا سنة 1908م حملة مقاطعة البضائع النمساوية كالسكر والطرابيش، وأجبروا التجار على التقيّد بالمقاطعة، وساندهم في ذلك القبضايات في صيدا وطرابلس ودمشق وسائر مدن الشام، وقامت المظاهرات والمسيرات في بيروت، فقام الأهالي بنزع طرابيشهم ورميها أرضاً، كما قام بعض الشبان وعلى رأسهم أبو أحمد الجاك بتمزيق طرابيشهم النمساوية وارتداء القالبق.

وعلى ذكر أبي أحمد الجاك، أحد قبضايات بيروت، نشير إلى أن لفظة (الجاك) إنكليزية تعني الرجل الذي يمثّل العامة، ويتمتع بسرعة البديهة وإقدام على المساعدة وحمية فورية وآل الجاك جزائريو الأصل من عائلة فرغل، سكن جدهم الأول في محلة باب إدريس، ولُقب بالجاك على ما يقال من أن ملك انكلتره كان قد أرسل إلى قنصله في بيروت بريد الأمبراطورية التي يتضمن أشياء ثمينة وسرية، فلما وصلت الباخرة التي تحمل البريد إلى بيروت، كان البحر جبال كما يقال، وخاف القنصل الذي كان واقفاً على الشاطئ، من غرقها ووقوع البريد بأيدي أخرى، فأخذت الحميّة إبن فرغل وأخذ سنبكاً وبعض رجاله، وإنطلق رغم العاصفة إلى المركب وأحضر البريد، فأعجب به القنصل الإنكليزي وقال له : برافوا جاك، فغلب عليه هذا اللفظ.

ولأبي أحمد الجاك، وإبنه من بعد ، مواقف تذكر فتشكر، عندما أراد والي بيروت توسيع سوق الفشخة، قضت التوسعة بإستملاك بيت أبي أحمد في باب إدريس، فعارض الانتقال منه وتأخر تنفيذ المشروع، مما إضطر الوالي على استرضاء أبي أحمد.

ويذكر أن أبا أحمد الجاك، كان يستثمر قهوة موقعها في ساحة البرج، كانت تُعرف بالقهوة التحتانية، حضرت فرقة من العسكر التركي وعلى رأسها ضابط فارس، يبغون تفتيش القهوة بحجة وجود سلاح، عارض أبو أحمد بقوله: نحن حماية ولا نسمح بذلك، كان يحمل جواز سفر فرنسيا، رفع الضابط الكرباج يهم بضرب أبي أحمد الذي كان طويلاً عريضاً، فما كان من الجاك إلا أن أمسك الكرباج وشده بقوة أوقعت الضابط أرضاً، وبدأ إطلاق النار، وتراجع العسكر منهزماً شمالاً نحو سراي المدينة قرب الريفولي وأقفلوا أبوابها وطلبوا النجدة، فيما توجه أبو أحمد الجاك إلى محلة المصيطبة إلى بيت آل العانوتي ريثما تهدأ الأمور.





حالة الطقس

حالة الطقس